الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
56
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا . وقد مضى ذلك في سورة آل عمران [ 155 ] ، وبعد ففي هذا الوعيد بشارة أن النصر الحاسم سيكون للمسلمين وهو نصر يوم فتح مكة . وجملة : وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ على هذا التفسير زيادة في تأييس المشركين من النصر ، وتنويه بفضل المؤمنين بأن النصر الذي انتصروه هو من اللّه لا بأسبابهم فإنهم دون المشركين عددا وعدة . ومن المفسرين من جعل الخطاب بهذه الآية للمسلمين ، ونسب إلى أبيّ بن كعب وعطاء ، لكون خطاب المشركين بعد الهجرة قد صار نادرا ، لأنهم أصبحوا بعداء عن سماع القرآن ، فتكون الجملة مستأنفة استينافا بيانيا فإنهم لما ذكروا باستجابة دعائهم بقوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [ الأنفال : 9 ] الآيات ، وأمروا بالثبات للمشركين ، وذكروا بنصر اللّه تعالى إياهم يوم بدر بقوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ - إلى قوله - مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ [ الأنفال : 17 ، 18 ] كان ذلك كله يثير سؤالا يختلج في نفوسهم أن يقولوا أيكون كذلك شأننا كلما جاهدنا أم هذه مزية لوقعة بدر ، فكانت هذه الآية مفيدة جواب هذا التساؤل . فالمعنى : إن تستنصروا في المستقبل قوله فقد جاءكم الفتح ، والتعبير بالفعل الماضي في جواب الشرط للتنبيه على تحقيق وقوعه ، ويكون قوله فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ دليلا على كلام محذوف ، والتقدير : إن تستنصروا في المستقبل ننصركم فقد نصرناكم يوم بدر . والاستفتاح على هذا التفسير كناية عن الخروج للجهاد ، لأن ذلك يستلزم طلب النصر ومعنى وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي إن تمسكوا عن الجهاد حيث لا يتعين فهو أي الإمساك ، خير لكم لتستجمعوا قوتكم وأعدادكم ، فأنتم في حال الجهاد منتصرون ، وفي حال السلم قائمون بأمر الدين وتدبير شئونكم الصالحة ، فيكون كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم لا تمنّوا لقاء العدو ، وقيل المراد وإن تنتهوا عن التشاجر في أمر الغنيمة أو عن التفاخر بانتصاركم يوم بدر فهو خير لكم من وقوعه . وأما قوله : وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ على هذا التفسير فهو إن تعودوا إلى طلب النصر نعد فننصركم أي لا ينقص ذلك من عطائنا كما قال زهير : سألنا فأعطيتكم وعدنا فعدتم * ومن أكثر التسآل يوما سيحرم يعلّمهم اللّه صدق التوجه إليه ، ويكون موقع وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً زيادة تقرير لمضمون إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وقوله : وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ أي لا تعتمدوا إلّا على نصر اللّه .